التسميات

الأحد، 8 أبريل، 2012

سبعٌ و رتوش ..

بداية هذا اليوم كانت مختلفة تمامًا في مجال دراستي , اليوم يجب أن أحقق جزءًا مما تعلمت خلال السنوات الماضية , اليوم هو تطبيق لا أكثر , اليوم هو انطباقُ كل ما درست على رأسي لأخرجه خلال سبعٍ لسْنَ بموبقات إنما سبع دقائق . 
كان هذا اليوم يحمل أول اختبار عملي تطبيقي لي في حياتي الدراسية الطبية .. ابتدأته من الأمس بين كومةٍ من الكتب و الأوراق و كثير من الأقلام و الألوان و أكواب الشاي و القهوة حلوةً كانت أم مرة . 
عند السابعة صباحًا كنت على جهازي أتفرج بعض الفيديوهات علّها تساعدني في استذكار بعض مما درسته خلال أسبوع أم سنة أم ترم لا أعرف . 
داهمني الوقت و إذا بالساعة تشير إلى السابعة و النصف .. بالرغم أني أجزم أن الفيديوهات كانت تعليميةً بحتة .
هرعت إلى حمامي الدافئ سريعًا و لبستُ كامل هندامي و أنهيتها ببخة عطر لعين الأطباء .. 
أن تلبس ساعة ذات عقارب لا تلدغ أمرٌ مهم و لكنني اكتشفت أن ساعتي قررت التوقف عن العمل ليتوقف الزمن لبرهة ثم أقررت أن لا ضير من بعض التمثيل . 
جاهز ؟ انطلق .. 
لحظة نسيت سماعاتي الطبية ارجع و إلا أنا في ورطة ..! 
الساعة تشير إلى الثامنة و خمسٍ و أربعين دقيقة , يجب أن أبدأ الماراثون مع السيارات حالاً .. و لكن بطني يخبرني بأن بضع إفطار لا ضير فيه أبدًا , 
السيارات تلتصق بي من كل ناحية حتى وصولي لمواقف المستشفى الجامعي . 
كل من رأيته هناك كان بكامل أناقته الطبية و البعض مثقل بكثير من المعدات الحربية . 
أول من قابلته كان شخصًا من طلاب السنة الخامسة ..أتفاءل به دومًا و لكنه هذه المرة نظر لي بنظرة شفقة و عينه تنطق "كم أنت مُحزن "
- مستعد ؟ 
- أبدًا , ربكة و قليلٌ من التوتر 
- كن واثقًا و كل شيء سيسير على ما يرام . 
هذا ما قاله حتى تسابقت خطواتنا للمصاعد المطلية بالذهب ..
 نزل في الطابق الأول ليربتَ على كتفي "بالتوفيق" و كأنه يقول "حـ تاكلها " 
بقيتُ في المصعد حتى الطابق الرابع مع رائحة عطرية باذخة في الجمال لطالبة تمريض -أعتقد أنها كانت سببًا لزهزهتي قليلاً -
اختفت الرائحة العطرية و تحولت إلى روائح فم كريهة نعم وصلنا إلى الطابق الرابع حيث المكان المنشود و التجمع المخنوق بكم هائل من الطلاب . 

و استقبلني ثالث أطيب شخص في مجموعتي -لستُ أنا الأول بالتأكيد-
هشام : 
بعد الأحضان و التحية على جوانب الخدين و السؤال عن الحال , أخبرني برغبته الملحًة في الرقص أو كما قالها "شكشكة"
لم أتفاجأ أبدًا من شخص قضى أسبوعًا بين صفحات تيلي أن يطلب مثل هذ الطلب العجيب , فقلت : الوضع جيد لذلك لديك سماعات المستشفى -تصرّف- ! 

"
-شفت الشيك ليست ؟
- مدرّك الكارديو ؟ 
- فكيت الريسبايراتوري ؟ 
- تعرف تاخذ هيستوري بالانجليزي ؟ 
- ايش هوا كم ستيشن ؟ 
-تخيل يجيك دكتور فلان ! 
سُئلت هذه الأسئلة لـ مئات المرات و كل مرة كنت أجاوب بمنطق مختلف , الطلاب في حالة فزع و هلع عجيبة . 
في الحقيقة كنت أبتعد عمّن يكثرون الأسئلة , و أبحث عمّن يعطوني طاقة إيجابية أين هم .. ؟ 
أوه جعفر واقف في الركن هناك , استقبلته بالأحضان 
أعطاني "الشيك ليست " و أخبرني اطلع عليها و لا تنسى أن تغطي كذا و كذا و كذا 

لحظات و أتانا غيث / عمرو / عبدالله 
"العناق كان لا بد منه   ليعطي كل شخصٍ منا جانبًا من طاقته للآخر" .. كما قالها -  غيث - 
بعض السفاسف من هنا و هناك من كل جزئية حتى تعبنا و تفرقنا . 
إلى أن جاء صوتٌ مخيف أشبه ما يكون بـ الزلزال .. تلك هي سكرتيرة القسم تصرخ بأعلى صوتها المختنف : 
" الأسماء ترتيبها أبجدي و في اكس و في واي كل واحد يشوف اسمه " 

كعادة الدفعة التجمعات جهة الكشوفات و كأنها توزيع رواتب من الحكومة , انتظرنا حتى أعلن قائد الدفعة أن لكل شخص رقم معين سيدخل به الاختبار و تم توزيع ثلاث ملصقات بأسمائنا اثنان للاختبار و الثالث لم يكن للذكرى بل للاختبار النهائي - لا أعرف إن كانت آلة الطباعة لا تطبع سوى ثلاث نسخ - ! 

" رقمي 35 , أنا أتفاءل بالأرقام الزوجية عادةً لكن لا بأس " 

بدأ الإعلان للدخول للاختبار / اتركوا الحقائب و الأمتعة .. اجمعوا الأجهزة النقالة ... الخ 
لا أدري لم  تتوارد لدي إجراءت السفر في المطارات في مثل هذه اللحظات حتى خلت السكرتيرة تقول : اترك الحذاء ثم اقفز على الزلاقة ! 

توجهنا بعددنا أفراد الجناح اكس الخمسة و سبعون رجلاً و أماتونا في صندوق حقيقةً 
خمسةٌ و سبعونَ  نَفَسًا في غرفة لا يتجاوز طولها خمسة أمتار و عرضها أربعة أمتار 
إزعاج - حر خانق - روائح كريهة حدث ولا حرج ! 

حتى دخل أحد الأطباء و معه سكرتيرة أخرى كانت لطيفةً حقيقة مقارنة بغيرها كما مضيفات الطيران .. نعم توارد لي مرةً أخرى نداء الطيران  / في حالة الاختناق ستسقط أقنعة الأكسجين من الأعلى شده إلى أسفل و من ثم ساعد من بجانبك ..

إلى أن جاء الفرج , 
أول ثمانية أسماء -ضحايا- من الكشف سيدخلون الاختبار 
ثمانية تتلوها ثمانية و التوتر يزداد , العقل مقفل مع كثرة المراجعات و الثرثرة و هوس البعض المقيت 
كلمة لا أنساها لـ غيث أخبرني إياها عند التبلد العقلي : " علي !! انت قادر تجتاز كل المحطات , انت حتسوي كويس لأنك ذاكرت كويس و لأنك سويت اللي عليك , و على قد تعبك حتجيب و أكثر , علي انت قدها " 
حاولت أن لا أسقط عيني من عينه و أبقي تواصلي البصري حتى تبقى الرسالة للعقل الباطن , نعم أنا قادرٌ على ذلك .! 
حتى جاء دوري .. 
لحظات انتظار أخرى و لكنها قصيرة بالخارج تحرسنا ممرضتين من الجنسية الفلبينية يتراقصن رقصة التانقوعلى نغمات جرسٍ غريب و كأنه إنذار خطر أو سرقة شيءٍ ما .. 
اللي يدخل بي 1 يروح بي2  و هكذا

صليت على النبي و آله و توكلت على الله و دخلت في الممرات .. حقيقةً تهت كل الغرف امتلأت أين أذهب ؟ 
إلى بي1 
نعم B حرف يجلب التفاؤل , 
دخلت و ألقيت التحية على دكتورٍ أشبه بميت و ممرضة عجوز شمطاء مصبّغة بأحمر شفاه فاقع اللون لا تفقه شيئًا .. 
رحتُ أسألها في دوامة مندرجة تحت أسئلة ألم البطن .. كانت لا تعطيني إجابات كافية و استجابتها ترفع الضغط قليلاً .. 
مرت لحظة صمت بعد أن أنهيت أسئلتني لها حسب اعتقادي و لكنها كانت تحاول أن تحرك شفتيها لتكمل لي .. لم أفهم ما أشارت إليه رغم إلمامي باللكنة الفلبينية .. و الاندومي ! 
 
انتهي الوقت المزعوم بسبع دقائق - أقل بكثير- 
شكرتها و انصرفت بابتسامة خافتة .. أنا سعيد لم أرتبك ! 

المحطة التالية كانت للفحص , 
كنت أتحرى هلال العيد القادم لي لا أعرف لماذا ؟! 
ألقيت التحية و رحت أغوص في ورقة السؤال و إذا بعامل شرق آسيوي ملقًى امامي كجثة هامدة 
قمت بعمل الفحوصات كان مريضًا متعاونًا لحد ما و لكن ترتيبي كان يرثى له , 
الطبيب كان متعاونًا و أشكر  له ذلك كونه ساعدني في إدراك الوقت الذي انتهى بتعداد ما تبقى لي .. 
صاح الجرس الخبيث و كأني سقطت من أعلى إلى أسفل ..
سلمت على الدكتور و تركت المريض مكشوفًا عاريًا و لم أشكره ! 

يا إلهي لقد أنهيت هذا الكابوس .. أنا الآن مستيقظ . 
حال خروجي قابلت عمرو : 

"طبيــــخ طبيـــخ طبيــــخ  "
قالها و ظننت أنه سيعطيني كعكة احتفاءً بهذا الإنجاز العظيم و لكن على ما يبدو أنه طبخ أمرًا آخر مشيدًا بذلك لعدم تغطيته كافة المتطلبات 

بين شدٍّ و جذب و نقاشات بين الفرحين و المختالين و البؤساء و قصص الأطباء و المواقف الطريفة كنت حقيقةً لا أفكر سوى بفراشي العزيز , و كيف أصل إليه و أعد الساعات للاختبار النظري و هكذا 

تجربة الاختبار العملي في المستشفى الجامعي كانت أشبه بغيمة لا تعرف هل ستمطر أم ستثلج أم ستجلب رياح مثيرة للغبار كما اعتدنا هنا , 

لكن الحمدلله كأول تجربة خرجت راضٍ تمامًا عن نفسي , 
زادت ثقتي بقدراتي و امكانياتي التي لم أطبقها على حياة الواقع 
أعطتني فرصة لأكتشف نفسي أكثر ,
 أنا الآن في مرحلة تعزيز لهذه القوى و لا بد أن لا أخرج من هذه السنة إلا و أنا ملم بها جميعًأ . 

ثرثرة كنت أريد أخرجها لا أكثر , 
لكم حرية مشاركتها :) 










window.setTimeout(function() { document.body.className = document.body.className.replace('loading', ''); }, 10);