التسميات

السبت، 7 يونيو، 2014

مفترق طريق.

لم أكن أريد كتابة هذه التدوينة قبل يوم الأحد و تحديدًا مساء الأحد, و لكن العقل يجبرك في إلهامه و تجميعاته على أن تخوض مضمار الكتابة في أوقاتٍ معينة و إلا فقدت إحساس الوصول المطلوب في كل كلمة. أكتب هذه التدوينة و أنا على حافة الخروج من عالمٍ إلى آخر مختلفٍ تمامًا عن الذي كان يحملني خلال السبع سنوات الفائتة؛ فقبل أربعةِ أيامٍ فقط أتممت دراستي لدرجة البكالوريوس في الطب و الجراحة و هو الأمر الذي لطالما حلمتُ به رغم مزاجيتي التي دخلت في ذلك أيضًا. هذه المرحلة التي أعيشها الآن هي مرحلة الـ " آها مالتالي؟" فبعد ما يقارب دقيقة من اجتيازي آخر محطةٍ في اختباري العملي و التي تمثّل آخر اختبارٍ لي في الكلية تبادر إلى ذهني هذا التساؤل و لازال يحوم في جوفي كجرعة مفرطة من الدواء الذي يمنعك لذيذ النوم. كل ذلك لأني الآن في مفترق طريق. سأذكر هنا عدة مراحل مررت بها في حياتي أجبرتني على الدخول في ذات الدوامة إلى أن وصلتُ إلى ما أنا عليه الآن. فكثيرٌ من الأحاسيس التي تجتاحنا تكون وليدة ترسباتٍ فكرية لمواقف قديمة كنا قد واجهناها بحواس يقظة و واعية حتى بقيت معنا حتى اللحظة الآنية. 


حين تخرجت من المرحلة الإبتدائية كنت فرحًا بشكل كبير أني أنهيتُ أجمل المراحل في حياتي -باعتقادي السابق و الحالي- و أني كسبت شخصيتي من تلك المرحلة بقوة جامحة تكفيني لأن أواجه أي عقبة, كان منظر الملف الأخضر في يدي سعادةً عظيمة لا أدري مالذي جرني إليها, ربما كان منظر شهادات التفوق المرصعة بالنجوم من أستاذ القراءة في الصف الأول أحمد عودة يشدّني لذلك! لا أدري. و مع انتهاء الإجازة الفاصلة بين المرحلتين الإبتدائية و المتوسطة أخبرني والدي ليلتها و نحن عائدون من منزل جدتي لبيتنا و تحديدًا بداخل سيارتنا الرمادية: " علي, أنت مقبل على مرحلة شديدة بإمكانك فيها أن تثبت لي أنك رجلٌ ترسخت مبادئه بشكل فعّال أو أن تميل لهواك فتنجرف مع الرّكب" كنت لا أعي فعلاً ماذا يقول والدي و لا أدري لمَ أخبرني بذلك حتمًا! و لكني أدركت معنى هذه الكلمة يومًا بعد يوم, و تمّت معي تتكرر عند نهاية كل مرحلة. الجدير بالذكر أني واصلتُ بذات النمطية التي اعتدتها في حياتي الإبتدائية وصولاً للثانوية, إلا أن بعض التغيرات في الجنانب الشخصي مني أثرت عليّ كثيرًا في مرحلتي المتوسطة و لكنني أرخيتُ لها الحبل و تركتها تتأرجح بداخلي متناسيًا إياها.


 بوصولي للمرحلة الثانوية كنت مشوشًا بعض الشيء و لكنني ثابتٌ في تحديد وجهةٍ واحدة و صقل حياتي تجاهها فتجاوزت فعلاً تلك المرحلة متغاضيًا عن كل الأمور الحياتية الأخرى التي سعت الحياة أن تكسبني إياها فقد كنتُ أسعى للحلم فقط! و بنهاية الثانوية بدأ مفترق الطرق يشكّل حاجزًا كبيرًا بين عقلي و قلبي و تفكيري و عاطفتي, لم أكن أريد أن أهيّج اختلاف الآراء بداخلي و لا حتى توجهات الآخرين التي يتطلعون لرؤيتها مني, أردتُ فقط أن يكون تركيزي على على الأمر الذي بنيت حياتي لأجله فقط و تركت كل الشوائب الأخرى لأجله فقط. دام التصارع و اجتزته بجزم الحالة بطريقتي المعتادة و هي عدم تقنين الفرص و توسعتها قدر الإمكان للوصول لذات الشيء المطلوب. و كانت خطوةً فاشلة كالمعتاد و بكل المقاييس. حين تتوسع في فرصك المتاحة قدر الإمكان فلا شك أنك تضع نفسك في موقف الميزان الذي يرجح بك تارةً و يرفعك خفيفًا تارةً أخرى, أو ربما أنني وسعت فرصي بطريقة خاطئة نتج عنها ضررُ غير محسوب. في تلك المرحلة تحديدًا وصلتُ لبداية الحلم و لكن قناعتي كانت متناقصة شيئًا فشيئًا و كنت لا أجد نفسي في هذا المكان أبدًا, أي نعم ذات الحلم و لكنه ليس المكان المناسب على حسب ما اعتقدت. واجهت هذه المعضلة بأكبر ضرر أوقعته على نفسي بإلجام عقلي المتمكّن  -و أقولها بكل ثقة نعم متمكّن- فخسرت المرحلة و تضاءل الحلم و لكن بقي المكان الذي تجاوزته بلا قناعة صارمة حتى أيقنتُ حيانها و تحديدًا بنهاية السنة الثانية لي -للمرة الأولى- أني هنا و هذا مكاني و مهما كان الضرر فكل شيءٍ قابلٌ للإصلاح. انصرمت السنين و تجاوزني الوقت سريعًا متناسيًا أني إنسانٌ بطيء فيزيائيًا -و لكني لا زلت متمكّنًا- و وصلت حتمًا وصلت. إنها نهاية السنة السادسة مجازًا أو السابعة مع سبق التسويف! السنة التي حلمتُ فيها يومًا أني سأصل إليها قد أتتني الآن!


 لننظر في نطاق هذه السنوات لحظةً لحظة ابتداءً من الدافع, للإنكسار, للتردد, للثقة و أخيرًا لليقين. بعد انتهاء السنة الثانية - للمرة الثانية- بدأت أجد نفسي و بدأت الحياة تبثُّ جميلها عليّ و بدأت أختبر ظروفي و قدراتي التي أبقيتها ضمن الرواسب فقط لأجد العذر. خلال هذه السنين كانت هنالك عدة دوافع و رتوش أضافت الكثير لحياتي بغض النظر عن الإخفاقات التي تخللتها. من ضمن الدوافع الهبة الحياتية التي أنكرتها سابقًا في حياتي الأولى من باب الهرب و الغوص مع الذات ألا و هي إحاطة نفسي بأصدقاء يتخللون حياتي بجميع جوانبها, سواءً هنا في مكان دراستي بجدة أم بمسقط رأسي. كانت ذلك الدافع و أعني به من هم هنا سببًا قويًا جدًا لتركي في مضمار تنافسيّ شديد كما أسهم بصقل جزءٍ كبير من مهاراتي في الاتصال و التفكير من عدة جوانب. أما عن الإنكسار فكان لبَنةً جيدة لقوتي التي آمنت بها فعلاً و قضيت فيها على ترددي, أي نعم ليس قضاءً حتميًّا حيث أنه لا يزال موجودًا بهاجس بسيط إلا أنني أعرف كيفية ترويضه و جعله في نطاق ضيق لا يتسع لأن يهجم عليّ و يقيلني من جمالية أمرٍ ما. و أخيرًا اليقين الذي فرضته عليّ كل هذه التجارب بأني أنا علي الذي آمن به أبي بعد الإبتدائية و أني عليّ الذي دعت له أمه يومًا بالتيسير  بعد العسير الذي تأزم معه و أنا علي الذي تطلّع له الآخرون بذات المستقبل. قد أكون أجحفت بحق هذه القاعدة التي عليها سأبني حياتي القادمة و لكن كلي ثقة بأني سأشكلها من جديد و ستكون بالقدر الكافي و الملائم له. 


عودةً للتساؤل اللحظي: " آها مالتي؟" فأنا أجد نفسي طيرًا مفرود الجناح حاليًا لا أستطيع سوى السير و لكن إيماني الضمني بالإقلاع سينجزه بلا شك! فبعد هذا التساؤل ترامت على ذهني عدة أمور سلبية و منها كما المعتاد: هل سأنجح؟ هل يكفي ما قدمته مسبقًا خلال سبع سنين؟ هل ستكفي سنةٌ قادمة من التدريب لصقل شيءٍ ما بداخلي؟ أم أنني سأنهيها بطريقة ركيكة غير متماسكة؟ كل ذلك و أكثر انهال عليّ في لـحظة أولى بها أن أكون في نشوة عارمة أطير فيها بين جدران المستشفى فأنا خريج! حسب الحسابات الدقيقة التي قمت بها في عقلي المتواضع. و بعيدًا عن الكذب فقد انتشيت فعلاً و طرت فرحًا و رحت أضمُّ كل من أجده أمامي, كانت مشاعر غريبة و مختلطة حتى اللحظة إلا أن التفكير السلبي في نتيجة ما قدمت يقصف النشوة فجأة ليحول دونها و ثم يذهب فتعود و هكذا. 


أخيرًا! هذا يعد أحد إنجازات حياتي, بغض النظر عن كونه يحمل قوةً أم ضعفًا مع أن يقيني يخبرني بقوته. أن تخرج بقيمة نفسك أمام شريحة هائلة من معارفك و غير معارفك يكفي لأن يخبرك بأنك كونت بداية جيدة و لا بأس بها. فالحمدلله على حسن توفيقه لي و رضاه عني بدعاء أمي. 


السبت 9/8/1435 هـ 5:41 ص 

بعد التخرج بستة أيام تمامًا. 

نلتمس الدعاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

window.setTimeout(function() { document.body.className = document.body.className.replace('loading', ''); }, 10);